|
|
|
بقلم: إبراهيم عيسى.
ما الذي يجعل مصر إذن الدولة الوحيدة في العالم التي تغلق مدارسها بسبب إنفلونزا الخنازير¿ سهل أن تقول إن مدارس مصر ليست مهيأة للتعامل مع متطلبات الرعاية الصحية والشروط البيئية التي تحافظ بها علي صحة وحياة أولادنا¡ وقطعًا أنت محق فالمدارس الحكومية والتي يشكل طلابها ثلاثة وتسعين في المائة من طلاب مدارس مصر آية من آيات الإهمال واللامسئولية¡ حيث الفصول خانقة الزحام وسيئة التهوية ولا تدخلها الشمس¡ ودورات مياهها معفنة مع غياب لأي مفتش أو إخصائي صحة أو استعدادات طبية مع تفشي ظواهر اللامبالاة وشراء الدماغ والفوضي المخلصة!
ومع ذلك فهذا ليس سبب إغلاق المدارس¡ حيث تبدو هنا حقيقتان:
الأولي أن المدارس الحكومية أصلاً من غير إنفلونزا خنازير أو إنفلونزا أرانب تشهد غيابًا شبه كامل من التلاميذ منذ اليوم الأول للدراسة¡ والغياب عن فصول الدراسة في سنوات الشهادات العامة مسألة طبيعية جدًا وعادية للغاية ولا تدهش أحدًا ولا تستفز شخصًا ومن ثم فإغلاقها أو فتحها بسبب إنفلونزا الخنازير محصل بعضه!
الحقيقة الثانية أن المدارس الخاصة ذات المصاريف بالدولار واليورو تلتزم بالمعايير الصحية ولديها عيادات متخصصة وأطباء محترفون موجودون طيلة اليوم الدراسي¡ وكذلك فصولها نموذجية الكثافة وامتحاناتها صارمة وملزمة ومع ذلك شهدت غيابات كبيرة من تلاميذها وطلابها.
إذن ليس عدم الاستعداد أو انعدام التجهيزات هما سبب قرار الأهالي بغياب أبنائهم عن الدراسة نتيجة إنفلونزا الخنازير! الغريب أنك تسمع من أولياء أمور غضبًا وحنقًا شديدًا علي المدارس التي ظهرت بها حالات إنفلونزا ولم يتم إغلاقها¡ وكأن الإغلاق هو الحل وكأن الإغلاق ينقذ الأولاد¡ وكأن الإغلاق هو الهدف¡ وكأن إغلاق مدرسة عمل سهل ولا يترتب عليه تخلف في العلم وتعطيل المناهج وافتقاد التحصيل وهدم بناء العقل¡ حيث إن العلم لا يُكيَّل إلا بالباذنجان!
تنتظر الآن الإجابة عن سؤال: لماذا تقرر أنت نفسك وبإرادة سعادتك غياب ابنك عن المدرسة لأن حالة إنفلونزا ظهرت فيها¿
وأحب أن أسأل في السياق ذاته: ولماذا لم يمنع الآباء والأمهات أولادهم من الذهاب لفيلم محمد هنيدي أو كريم عبدالعزيز في العيد خوفًا من إنفلونزا الخنازير¿ لماذا لم تشهد مقاهي مصر أي غياب للشباب أو الصبية عنها نتيجة إنفلونزا الخنازير¿
السبب أن المصريين لا يحترمون التعليم وأصبحوا لا يصدقون أن المدارس مهمة!
صحيح أنهم يخافون من المرض رغم أن العالم كله حلف علي المصحف والإنجيل والتوراة أن فيروس إنفلونزا الخنازير يمكن علاجه ببساطة¡ وأن ضحاياه أقل من الضحايا الذين يموتون نتيجة الوقوع من السرير سنويًا¡ إلا أن المصريين لا يصدقون هذا إلا في التعليم فقط ولا يوجد أي مظهر للخوف من إنفلونزا الخنازير إلا في التعليم فقط!
لقد تربت أجيال منذ ثلاثين عامًا علي أن المدارس لا تعلم ولا تقدم تعليمًا¡ ثم إن التعليم نفسه ليس مهما ومن ثم غابوا عن المدرسة بعد الترفع عنها والتنصل منها¡ وفي نفس الوقت اختصروا التعليم في الشهادات وحصل هذا الهوس الرهيب بالشهادات والدرجات العالية الذي أدي لمسخرة ومأساة أن هناك طلابًا يحصلون علي أكثر من مائة في المائة في الثانوية العامة¡ وتحول التعليم بكل قيمه وأهدافه إلي مجرد امتحانات¡ والامتحانات تحتاج إلي دروس خصوصية ومراكز الدروس المثلي هي التي تلقن العيال أهم الأسئلة المتوقعة والأجوبة النموذجية!
ثم لم يعد هناك أي فرق أو تفاوت بين الطبقات في النظرة للتعليم!
فالغني والفقير ومحدود الدخل ومحدود العقل في مصر لا يهتمون بالتعليم بل بالشهادة¡ والذين يذهبون بأولادهم إلي أكبر المدارس بل أغلي الجامعات يهدفون للوجاهة الاجتماعية من جهة وللحصول علي شهادة تنفع العيال في الشغل في المستقبل¡ لهذا تجد هوسًا مغفلاً لدي أمهات كثيرات حين يبكين ويصرخن لأن ابنهن حصلوا علي درجات أقل في الامتحان¡ أبنائهن لا انزعاج ولا فضول لمعرفة التحصيل المعرفي والعلمي للولد بل فقط اختصار علمه في درجته وشهادته!
المشكلة العميقة أنني لا أسمع في حياتي من أي مصري إلا جملة عايزين نربي العيال!
ولكنني لا أري العيال اتربت خالص في مصر خلال الثلاثين سنة الأخيرة¡ فلاشك عندي أن منحدرًا رهيبًا وسريعًا وكارثيًا تهبط عليه أجيالنا الطالعة التي يبدو أنها نازلة جدًا!
| |
|